ابن أبي أصيبعة

541

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

إبراهيم بن عيسى كان طبيبا فاضلا معروفا في زمانه متميزا في أوانه صحب يوحنا بن ماسويه ببغداد وقرأ عليه وأخذ عنه وخدم بصناعة الطب الأمير أحمد بن طولون وتقدم عنده وسافر معه إلى الديار المصرية واستمر في خدمته ولم يزل إبراهيم بن عيسى مقيما في فسطاط مصر إلى أن توفي وكانت وفاته في نحو سنة ستين ومائتين الحسن بن زيرك كان طبيبا في مصر أيام أحمد بن طولون يصحبه في الإقامة فإذا سافر صحبه سعيد بن توفيل ولما توجه ابن طولون إلى دمشق في شهور سنة تسع وستين ومائتين وامتد منها إلى الثغور لإصلاحها ودخل أنطاكية عائدا عنها أكثر من استعمال لبن الجواميس فأدركته هيضة لم ينجع فيها معاناة سعيد ابن توفيل وعاد بها إلى مصر وهو ساخط على سعيد بن توفيل فلما دخل الفسطاط احضر الحسن ابن زيرك وشكا إليه سعيدا فسهل عليه ابن زيرك أمر علته وأعلمه أنه يرجو له السلامة منها عن قرب وخفت عنه علته بالراحة والطمأنينة واجتماع الشمل وهدوء النفس وحسن القيام وبر الحسن بن زيرك وكان يسر التخليط مع الحرم فازدادت علته ثم دعا بالأطباء فأرهبهم وخوفهم وكتمهم ما أسلفه من سوء التدبير والتخليط واشتهى على بعض حظاياه سمكا قريصا فأحضرته إياه سرا فما تمكن من معدته حتى تتابع الإسهال فأحضر الحسن بن زيرك وقال له احسب الذي سقيتنيه اليوم غير صواب قال له الحسن بن زيرك يأمر الأمير أيده الله بإحضار جماعة أطباء الفسطاط داره في غداة كل يوم حتى يتفقوا على ما يأخذه كل غداة وما سقيتك إلا أشياء تولى عجنها ثقتك وجميعها تنهض القوة الماسكة في معدتك وكبدك فقال أحمد والله لئن لم تنجحوا في تدبيركم لأضربن أعناقكم فإنما تجربون على العليل ولا يحصل منكم على شيء في الحقيقة فخرج الحسن بن زيرك من بين يديه وهو يرعد وكان شيخا كبيرا فحميت كبده من سوء فكره وخوفه وتشاغله عن المطعم والنوم فاعتراه إسهال سريع واستولى الغم عليه فخلط وكان يهذي بعلة أحمد بن طولون حتى مات في غد ذلك اليوم سعيد بن توفيل كان طبيبا نصرانيا متميزا في صناعة الطب وكان في خدمة أحمد بن طولون من أطباء الخاص يصحبه في السفر والحضر وتغير عليه قبل موته وسببه أن أحمد بن طولون كما تقدم ذكره